صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

343

شرح أصول الكافي

وقال القيصري في شرحه للفصوص : اعلم أن من اكتحلت عينه بنور الحق يعلم أن العالم باسره عباد الله وليس لهم وجود وصفة وفعل الا بالله وحوله وقوته وكلهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم ، ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات ان لا يعذب أحدا عذابا أبديا ، وليس ذلك المقدار عن العذاب أيضا الا لأجل اتصالهم إلى كمالهم المقدر « 1 » لهم ، كما يذاب الذهب والفضة بالنار لأجل الخلاص مما يكدره وينقص عياره فهو متضمن لعين اللطف كما قيل : وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى * وجوركم عدل وقطعكم وصل وذكر بعض المحققين من أهل الشهود « 2 » : ان من الأحوال التي فطر الخلق عليها ان « 3 » لا يعبدوا الا الله فبقوا على تلك الفطرة في توحيد الله ، فما جعلوا مع الله مسمى اخر هو الله ، بل جعلنا آلهة على طريق التقرب بها إلى الله ولهذا قال تعالى : قُلْ سَمُّوهُمْ « 4 » ، فإذا سموهم بان لهم انهم ما عبدوا الا الله ، فما عبد عباد الا الله في المحل الّذي نسب إليه الألوهية له ، فصح بقاء التوحيد لله الّذي أقروا له في الميثاق ، وان الفطرة مستصحبة . والسبب اللمى في نسبة الألوهية لهذه الصور المعبودة : هو ان الحق لما تجلى لهم في اخذ الميثاق تجلى لهم في مظهر من المظاهر الإلهية فذلك الّذي اجراهم على أن يعبدوه في الصور ، ومن قوة بقائهم على الفطرة انهم ما عبدوها على الحقيقة وانما عبدوها لما تخيلوا فيها من رتبة التقرب والشفاعة . انتهى . أقول : قوله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 5 » ، هذه عبادة ذاتية ، وقد سبق القول منابا جميع الحركات والانتقالات في ذوات الطبائع والنفوس إلى الله وبالله وفي سبيل الله ، والانسان بحسب فطرته داخل في السالكين إليه واما بحسب اختياره وهواه فإن كان من أهل السعادة فظاهر انه يزيد على قربه قربا وعلى سلوكه الجبلي سعيا وامعانا وهرولة .

--> ( 1 ) . إلى كمالاتهم المقدرة « شرح الفصوص » ( 2 ) . وهو العارف الكامل صدر الدين القونوى . ( 3 ) . هوان « الشواهد » ( 4 ) . الرعد / 33 ( 5 ) . الاسراء / 23